كوركيس عواد
230
الذخائر الشرقية
أكابر العلماء ، وكان لها شأن في توجيه الرأي الأدبي في تلك الأزمنة الغابرة . وما من شك في أن هاتيك الخصومات تمثل لنا لونا من ألوان مختلفة ، وتكشف عن منحى من مناحي المجتمع ، كما أنها توضح في أحلى بيان ما كان يضطرم أحيانا في نفوس بعض الأدباء من حب للتنافس ، وميل إلى الظهور والتصدّر ، وانسياق لعوامل الحقد والضغينة ؛ وتفصح لنا عما كانت تنطوي عليه أخلاق بعضهم من كبر أو مكابرة ، وعنت أو دهاء . . . ومهما يكن من أمر ، فإن تلك الخصومات صفحة أدبية رائعة الجمال ، إذ شحذ منظروها أذهانهم لإحراز الفوز ، وأفرغوا ما في وسعهم من الأدلة والبينات التي كانت تتجاوب أصداؤها بينهم ، وتتدافع تدافع السيل العرم ، لتنال مكانها من الظفر ! . ولقد وقفنا على شيء يقرب من ذلك ، نشب بين اثنين من أشهر الكتبة الأقدمين ، وهما : ابن خرداذبة وأبو الفرج الأصفهاني . إذا تكلّمنا على الأول منهما بما مرّ بك تفصيله ، فلنقل كلمة وجيزة نمهد بها موقفه من الخصومة ، فنقول : ( ب ) أبو الفرج الأصفهاني إن شهرة أبي الفرج البعيدة ، تغني عن التعريف به . وكتابه العظيم الموسوم ب « الأغاني » الذي سلخ في جمعه وتأليفه على ما قال خمسين سنة ، لمن أعظم الكنوز الأدبية قيمة ، وأحفلها مادة ! وكفاه من سمو المنزلة ومزيد الاعتبار أن الصاحب بن عباد - وهو من هو - « كان في أسفاره وتنقلاته يستصحب حمل ثلاثين جملا من كتب الأدب ليطالعها ، فلما وصل إليه كتاب الأغاني لم يكن بعد ذلك يستصحب سواه لاستغنائه به عنها ! » « 1 » . وكان الصاحب هذا يقول : « لقد اشتملت خزانتي على مائتين وستة آلاف مجلد « 2 » ، ما منها ما هو سميري غيره ( أي غير كتاب الأغاني ) ولا راقني منها سواه . . . » « 3 » .
--> - وأبي فراس ، وبين الحسني وابن خالويه . وبين المتنبي والحاتمي ، وبين المعري وداعي الدعاة . وذكر أن هذه المناظرات جمعت في كتاب قائم بنفسه . ( 1 ) وفيات الأعيان ( 1 : 475 ) . ( 2 ) جاء في « مختار الأغاني في الأخبار والتهاني » لابن منظور ( 1 : 2 ) قول الصاحب : « ولقد اشتملت خزانتي على مائة ألف وسبعة عشر ألف مجلد . . . » وهي رواية تختلف عن التي أوردناها . ولعل هذه الرواية أقرب إلى الحق وإن كان يرى فيها أيضا مبالغة . ( 3 ) معجم الأدباء ( 5 : 150 مرجليوث ) .